الشيخ محمد الخضري بك
195
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
رسول اللّه بما فعل بهم بنو بكر وقريش ، فلمّا حلّوا بين يديه ، وأخبروه قال : واللّه لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه ، أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما فعلوا ، وأرادوا مداواة هذا الجرح ، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليشدّ العقد « 1 » ويزيد في المدة ، فركب راحلته - وهو يظن أنه لم يسبقه أحد ، حتى إذا جاء المدينة ، نزل على أمّ المؤمنين أم حبيبة بنته ، وقد أراد أن يجلس على فراش رسول اللّه فطوته عنه ، فقال يا بنيّة : أرغبت به عني أم رغبت بي عنه ؟ فقالت : ما كان لك أن تجلس على فراش رسول اللّه وأنت مشرك نجس ، فقال : لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج من عندها ، وأتى النبي في المسجد ، وعرض عليه ما جاء له فقال له عليه الصلاة والسلام : هل كان من حدث ؟ قال : لا ، فقال عليه الصلاة والسلام : فنحن على مدتنا وصلحنا ، ولم يزد عن ذلك . فقام أبو سفيان ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلّهم يساعدونه على مقصده ، فلم يجد منهم معينا وكلهم قالوا : جوارنا في جوار رسول اللّه فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئا ، فاتهموه بأنه خانهم واتّبع الإسلام ، فتنسّك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة . أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتجهّز للسفر ، وأمر أصحابه بذلك ، وأخبر الصدّيق بالوجهة فقال له : يا رسول اللّه أوليس بينك وبين قريش عهد ؟ قال : نعم ولكن غدروا ونقضوا . ثم استنفر عليه الصلاة والسلام الأعراب الذين حول المدينة ، وقال : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة » ، فقدم جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهنية ، وطوى عليه الصلاة والسلام الأخبار عن الجيش كيلا يشيع الأمر ، فتعلّم قريش فتستعد للحرب ، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يقيم حربا بمكّة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها ، فدعا مولاه جلّ ذكره وقال : « اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها « 2 » في بلادها » فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدرا ، وكتب كتابا لقريش يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جعل ، فأعلم اللّه رسوله ذلك ، فأرسل في أثرها عليا والزبير والمقداد وقال :
--> ( 1 ) أي ليجدد العهد . ( 2 ) أي نفاجئها .